حسن الأمين

104

مستدركات أعيان الشيعة

« واتنقض الأصل الذي رتبناه على الطبائع قياسا بها . . . » . ويمضي جابر بعد ذلك يعرض على قارئه أسماء الأحجار الرئيسية بلغات مختلفة ، فيقول : « إنا نجد الأحجار السبعة التي هي قانون الصنعة يعبر عنها باللغة العربية أنها الذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص والزيبق والأسرب ، ووجدنا يعبر عنها باللسان الرومي ما يوجب نقض الأول أو نقض بعضه وائتلافه مع بعض في حروف وأشخاص لا في أنواع وأجناس ، وذلك أنى وجدتها يعبر عنها بان يقال للذهب رصافي ، وللفضة اسمى ، وللنحاس هركما ، وللحديد سيداريا ، وللرصاص قسدروا ، وللزيبق برسري ، وللأسرب [ رو ] روى ، وهذه بينها وبين العربي بون ليس باليسير ، أما لطول كلامها وكثرة حروفها ، وأما لاختلاف مواقع الحروف بين نطق العرب بالسين والرومي بها ، ولعلل أخر مما جانس ما ذكرناه ، ووجدت هذه الأحجار باللسان الإسكندراني تخالف الاثنين - أعني العربي والرومي - أيضا ، وكان هذا أزيد في إيقاع الشك في نفوس المبتدئين والمتعلمين ، وذلك أني وجدتهم يسمون الذهب قربا ، والفضة كوما ، والنحاس جوما ، والحديد ملكا ، والرصاص سلسا ، والزيبق خبتا ، والأسرب قدرا ، ووجدت هذه أيضا ربما وافقت الشيء من ذلك في الخاص لا في العام ، ووجدت الفارسي أيضا يخالف الثلاثة بأسرها ، وذلك أني وجدتهم يدعون الذهب زر ، والفضة سيم ، والنحاس [ رو ] روى ، والحديد آهن ، والرصاص أرزيزكلهي ، والزيبق جيبا ، والأسرب بلبل ( هذه الكلمة الأخير غير واضحة في المخطوط ) . « ولقد تعبت في استخراج الحميري تعبا ليس بالسهل ، لأني لم أر أحدا يقول أنه سمع من يقرأ به فضلا عن أن أرى من يقرأ به ، إلى أن رأيت رجلا له أربعمائة سنة وثلاث وستين سنة ( ؟ ! ) فكنت أقصده ، وعلمني الحميري ، وعلمني علوما كثيرة ما رأيت بعده من ذكرها ولا يحسن شيئا منها - قد أودعتها كتبي في المواضع التي تصلح أن أذكرها فيها - وذلك إذا سمعتنا نقول : » قال الشيخ الكبير « فهو هذا الشيخ ، وإذا قرأت كتابنا المعروف بالتصريف ، فحينئذ تعرف فضل هذا الشيخ وفضلك أيها القارئ والله أعلم أنك أنه هو . . . » ( 1 ) . « ولنعد الآن إلى غرضنا الذي كنا به وأقول : إني وجدت الحميري أيضا أشد خلفا لسائر اللغات مما تقدم وذلك أني [ جدت ] وجدت الذهب في لغتهم - على ما علمني الشيخ - يدعى أوهسمو ، والفضة هلحدوا ، والنحاس بوسقدر ، والحديد بلهوكت ، والرصاص سملاخر ، والزيبق حوارستق ، والأسرب خسحدعز ، فيا ليت شعري كيف يصل العالم من كتب الفلاسفة في علم الموازين إلى إيضاح هذا الخلف ؟ . . . » . لقد أوردت هذا النص الطويل لأبين به كيف أن جابرا لم يغفل عن مشكلة تعدد اللغات ، ولأبين في الوقت نفسه منهجه العلمي في تقصي الأمور ، فقد أراد أن يعلم إلى أي حد تتشابه اللغات المختلفة وإلى أي حد تتباين في تسميتها للشيء الواحد المعين كالذهب مثلا ، فاستعرض العربية والرومية والاسكندرانية والفارسية والحميرية ، بل أنه بالنسبة إلى هذه الأخيرة لما لم يجد أحدا يعرفها راح يسعى حتى وجد الشيخ الذي قص علينا قصته . وقد انتهى البحث بجابر إلى أحد حلين : أولهما هو : « أن تمتحن الأدوية والعقاقير في العربي ، ثم في الفارسي ، ولسان لسان مما ذكرناه . . . فأيها صح فالزمه في سائر تدبيراتك » . والحل الآخر هو أن يعمل في كل عمل بلسانه . أما الحل الأول فمقتضاه ألا يقصر الباحث نفسه على لغة واحد ، بل يختار من مختلف اللغات مجموعة الأسماء التي تدل التجارب على أنها دالة على طبائع مسمياتها دلالة واضحة ، فلا ضير على العالم في هذه الحالة أن يستعمل للذهب - مثلا - اسمه العربي ، ثم يستخدم للنحاس أو الرصاص اسمه الفارسي أو الرومي ، وأما الحل الثاني فمؤداه أن يلتزم الباحث لغة واحدة بحذافيرها في شتى أبحاثه ، وسيجد أن كل لغة مكتفية بذاتها في الدلالة على طبائع الأشياء ، لأن حقائق الأشياء ثابتة لا تتعدد بتعدد اللغات ، لكن جابرا يروي الرأي الثاني نقلا عن فيلسوف لم يذكر اسمه ، ثم يرفضه ، لأنه يرى أنه ما دامت كلمات اللغات المختلفة مختلفة البنية ، فلا يعقل أن تكون كلها على حد سواء في الدلالة على حقائق الطبيعة ، وهذي هي عبارة جابر في ذلك : « وسمعت بعض الفلاسفة من فلاسفة زماننا يقول في ذلك الوجه أن يعمل في كل عمل بلسانه ، وليس القول كما ظن هذا الرجل ، إذ كان الحق لا يكون في وجهين مختلفين » ( 2 ) . وخلاصة القول أن الرأي عند ابن حيان في اللغة هو أنها نتاج ظهر بالطبع لا بالاتفاق العرضي ، ولهذا فهي ذات دلالة أصيلة على حقائق مسمياتها ، فهو يقول : « . . . وهل ذلك ( أي كلمات اللغة ) بالاصطلاح على ما جاء واتفق أو بقصد طبيعي نفساني ؟ وهل ذلك عرض أو جوهر ؟ فأقول : القول بأنها وضع واصطلاح وعرض خطا ، لأنه جوهر بالطبع لا بالوضع ، لكن بقصد نفساني ، لأن الأفعال النفسانية جوهرية كلها . . . فالحروف التي هي هيولى الكلام ابتداع نفساني « ( 3 ) ، ويقول أيضا : » إذا كان قد ظهر أن لكل شيء موجود فعلا ما ، فليعلم أن للإنسان خاصة أكثر الأفعال وأكبرها ، فليعلم ضرورة أن عمله واستخراجه علم المنطق والنحو والهندسة والطب والنجوم - وإن كان موضوع كثير منها باطلا - فان جميع ذلك حق ، وغير مدافع أن الكلام وتأليف الحروف وعمل أشكالها من تأليف الإنسان ، إلا أنها قد وقعت بالطبع . . . فغير شك إذن أن الكلام ونظم الحروف له طبع ما ، إذ كان كل موجود له طبيعة ما ، وهذا موجود « ( 4 ) .

--> ( 1 ) اعتقد أنه يقصد بقوله : « أيها القارئ » سيده جعفر الصادق الذي طالما يوجه إليه الخطاب . ( 2 ) كتاب [ الحصال ] الحاصل ، مختارات كراوس ، ص 538 . ( 3 ) كتاب الخمسين ، مقالة 14 ، ورقة 213 ب وما بعدها ( پول كراوس هامش ص 256 ) . ( 4 ) كتاب السر المكنون ، ورقة 154 وما بعدها ( پول كراوس هامش ص 257 ) قارن الجزء الأخير من الفقرة المذكورة بما جاء في هذا المعنى في محاورة أقراطيلوس التي لخصناها لك في » ب « من هذا الفصل ، وستجد التشابه تاما .